محمد رأفت سعيد
139
تاريخ نزول القرآن الكريم
سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا . وهذا شأن أولى الألباب كما جاء ذكر هذا المعنى في قوله تعالى : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ ( 191 ) [ آل عمران ] . فالله سبحانه خلق مخلوقاته دالة على كمال القدرة وأن أتقن كل شئ كان ، وقدر للخلائق ما شاء وهدى إليه كما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء » ، وترى آيات هداية المخلوقات لما خلقت له في كل شئ ؛ في الطفل الذي يخرج من بطن أمه - مثلا - لا يعلم شيئا فمن الذي هداه إلى مكان غذائه ؟ ومن الذي هداه إلى كيفية تقلصات عضلات وجهه ليمتص لبنه ؟ إنه سبحانه الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ( 2 ) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى ( 3 ) ، وقس على ذلك جميع المخلوقات من حيوانات وطيور ، ونباتات وغيرها فتبارك الله أحسن الخالقين . وهو الذي أنزل من السماء ماء فأنبت به أزواجا من نبات شتى ليرتع فيه الناس والبهائم ، ولكي يتحول هذا من الخضرة إلى السواد وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى ( 4 ) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى ( 5 ) . إن هذا الفتح القرآني لقلوب الناس وعقولها للتأمل في آيات الله الكونية يحرك العقول ويصقل القلوب ، ويجعلها أهلا للترقى والإقلاع من الجاهلية بعقائدها وسلوكها وأخلاقها ، ومع حرص الرسول صلّى اللّه عليه وسلم على تلقى آيات الله الكريمة التي ينزل بها جبريل عليه السّلام وحفظها ، وخاصة أن السور تتتابع في نزولها المبارك ، يأتي وعد الله سبحانه في منته على رسوله وعلى العالمين في أنه سبحانه سيحفظ رسوله ما يوجه إليه من الكتاب العزيز فلا ينسى منه شيئا سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ( 6 ) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ واقتضت حكمته ألا ينسيه إياه لحكمة أو تيسير يريده بخلقه فهو يعلم الجهر وما يخفى ، كما تأتى البشائر المفصلة بهذا المعنى ، والتي تعرض للناس في بدايات الوحي خصائص ما أرسل به رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم من البشر في أمره كله فيما يوحيه الله من عقائد وعبادات ومعاملات وسلوك ، فما جعل الله على خلقه من حرج وإنما يريد بهم اليسر في الأمر كله . وهكذا كان شأن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ومنهجه فما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما . وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى ( 8 ) ومع هذه الآيات الكونية ومع آيات الوحي المنزل ذكّر الناس فإن الذكرى نافعة ، ولكن الناس مع التذكر ليسوا سواء فمنهم من